عودة لكل المقالات
من أين نــبدأ؟


بقلم: أحمد عبد الحكيم
مدير قسم الدراسات والأبحاث بأكاديمية التغيير

كثيراً ما يبدأ القادة والنشطاء مشاريعهم التغييرية – سواءً كانت هذه المشاريع على مستوى الدول والحكومات أو على مستوى المؤسسات – بالإجابة على سؤال "كيف؟" وليس "ماذا؟". وهو ما ينشأ عنه إحساس وهمي ووقتي بالتغيير نتاج التجديد في الوسائل والأنشطة سرعان ما يتبدد عند معاينة النتائج. ومن هنا برز التساؤل: من أين نبدأ؟
وتبدأ الإجابة بتحديد ثلاثة مستويات رئيسة عند التعامل مع أي مشروع تغييري، وهي التي تشكل البناء الهرمي التغييري في أبسط أشكاله:
 


أولاً: مستوى الفكرة:
وتمثل قاعدة البناء وأرضية المشروع. فوضوح الفكرة يعني وضوح الحلم والأهداف والسياسات والثوابت والمتغيرات والمراحل والعقبات والنماذج التغييرية المقاربة، كما أنها تحدد إطار التصرف، أو موجهات وقيود الفعل، وتحدد مدى مرونة أو جمود.. تحرر أو انغلاق.. سعة أو ضيق أفق الحركة. وهي التي تصوغ ثقافة قيادات وأعضاء الحركة وتؤثر في كافة المستويات اللاحقة.. وكلما ازداد عمق الفكرة واستطاعت الإجابة على الأسئلة الحيوية والملحة المطروحة على الساحة كلما ترسخت جذورها واشتدت قوة البناء.
ويمكن القول بأن هذا المستوى يجيب على سؤال "ماذا؟": ما هي الفكرة؟ ما جوهرها؟ ما أهدافها؟؟ ما مرتكزاتها؟؟ ما أخلاقياتها؟؟ ما ضوابطها؟؟ ما متغيراتها وثوابتها؟؟..الخ.
الثاني: مستوى الاستراتيجيات: ونقصد به أسلوب التفكير في الحل. وعلى ضوئها تتحدد بنى الحركة وهياكلها وقياداتها وأعضائها ومهاراتهم. وتتحدد في إطار الفكرة، وتمثل أول مستوى من الإجابة على سؤال "كيف؟".
الثالث: مستوى التكتيكات: وتشمل الوسائل والأنشطة التنفيذية المختلفة. وتتحدد في إطار الاستراتيجيات.
ويمكن القول بأن الاستراتيجيات والتكتيكات تجيب على سؤال "كيف؟": كيف نسقط فكرة المشروع على أرض الواقع؟؟ كيف تتشكل بنيته وقيادته؟؟ كيف تفقد الخصم أو المنافس توازنه؟؟ كيف تفوز بالجمهور؟؟ كيف تختار الأنشطة؟؟ كيف يتم الإعداد لها؟؟ ...الخ.
وإذا كانت الفكرة تمثل قاعدة البناء التغييري، فإن الاستراتيجيات والتكتيكات تمثل رأسه المدبب الموجه إلى الخصم. فـ"ماذا؟" وحدها لا تكفي، وإنما هي كقبضة السيف.. كلما اشتدت كلما استطعنا أن نحكم قبضتنا على السيف؛ بينما "كيف؟" هي حد السيف.. كلما صقلت وتنوعت وأحسن استخدامها كلما كان السيف أمضى وأشد تأثيراً.
وتتدرج خطورة الخطأ أو الجهل بشكل تصاعدي من المستوى الثالث إلى الأول، بمعنى أن الخطأ أو الجهل على مستوى التكتيكات يكون محتملاً، بينما الخطأ أو الجهل على مستوى الاستراتيجيات يكون أكثر خطورة وإيلاماً، أما غياب غطاء فلسفي فكري - يمثل الأرضية التي تبلور الفكرة – فيؤدي إلى أزمة مهلكة.
أعراض الفراغ على المستويات الثلاثة:
غياب الفكرة: التفلت والانفضاض والسأم وعدم القدرة على حشد الجماهير، وبدون فهم فلسفة الفكرة جيداً يصعب تحديد الاستراتيجيات.
غياب الاستراتيجية: أعمال متضاربة ومهارات مفتقدة وأخرى غير مفعلة، ويرتفع شعار "كله كويس"، ويصبح معيار النجاح بذل الجهد وليس تطبيق البرنامج، وتتحول الحركة إلى دوران في فراغ استراتيجي، وستكون التكتيكات والوسائل بدورها لا تزيد عن أنشطة متشظية لا تجد إطاراً يجمعها أو يفسرها.
غياب التكتيكات: التكرار الدائم للوسائل المتعارف عليها، والإحساس بالحاجة للتجديد.
ولذللك فإن أول ما يجب على طلاب التغيير وقيادات المشاريع التغييرية عمله للوصول إلى الإجابة السليمة على سؤال "من أين نبدأ؟" تحديد مناطق الفراغ في مشاريعهم.. هل هي على مستوى التكتيكات أم الاستراتيجيات أم الفكرة؟

 

السؤال الأول: من أين نبدأ؟

الإجابة: تحديد مناطق الفراغ
عودة لكل المقالات