عودة لكل الدراسات

سلسلة (نحو رؤية إعلامية لمجتمعات قوية)

الحلقة الأولى

نظريـــة إعلاميــة لمجتمعات قوية

قلب الهرم... وإعادة تعريف القوة
بقلم: م/ وائل عادل

1/3/2007
 
مقدمة

 لمن هذه السلسلة؟

 نقطة البدء

مجتمعات قوية

الوعي بطبيعة القوة

الإعلام بين النظريتين

الهدف من إعلام المستقبل

مقدمة

تبدأ هذه السلسلة من المقالات في إطار رسم رؤية إعلامية مستقبلية، تمكن المجتمعات من استثمار التحديات التي تواجهها، للوصول إلى مستقبل مشرق،  تنافس فيه على ساحة الفعل الحضاري. حيث تحتاج التحولات الكبرى في المجتمعات إلى تحولات في العقول وأنماط التفكير،  فالاختراعات الكبرى بدأت بفكرة كانت عقول كثير من الناس تنكر إمكانية حدوثها، إلا أن المخترع كان يؤمن بإمكانية وحتمية وقوعها.

وللإعلام دور كبير في إحداث هذه التحولات، عبر مخاطبته العقل، الذي يمثل أرض المعركة الحقيقية، تلك المعركة التي يتحرر فيها الأمل من أوهام اليأس والخوف، ويطارد العلم فيها الجهل بالواقع وإمكانات الذات، وتقهر أدوات الفعل الشعور بالعجز والاستحالة.

ولا نقصد بإعلام المستقبل ما قد يتبادر إلى الأذهان أنه إعلام خيالي يصعب تحقيقه في الواقع، إنه الإعلام الذي ستشكل استراتيجياته وسياساته ورسائله وأفكاره مستقبل المجتمعات. ونخص في هذه الحلقات الإعلام الذي يحمل رسالة تقوية  المجتمع، سواء قامت عليه مؤسسات إعلامية حرة في المجتمع، أو رعته الحكومة التي تتبنى مشروع تقوية المجتمعات.

لمن هذه السلسلة؟

ونتوجه بحلقات هذه السلسلة إلى الشرائح الإعلامية المختلفة في المجتمع:

* من مصورين، ومراسلين، وصحفيين، ومعدي برامج.ومقدميها. وغيرهم من أهل الإعلام.

* المفكرين، والكتاب، والروائيين، وأمثالهم.

* وإلى الفنانين، والمنتجين، وكتاب السيناريوهات، والمخرجين.. الخ

وإلى كل ناشط يرغب في صناعة أسطورة المستقبل المشرق لمجتمعه، ليشمل نطاق كتاباتنا بذلك كل مواطن قادر على توجيه رسالة إلى الجمهور، خاصة مع عصر المدونات، التي مكنت قطاعاً كبيراً من الناس من إبداء آرائهم ومخاطبة الجماهير.

نقطة البدء

إننا ندعو كل هؤلاء إلى التأمل في واقع الأحداث التي تجري في العالم؛ لنرى سحب  البارود تغطي سماء بعض المجتمعات، ونرى قرارات هوجاء تسمح لجنون الآلة العسكرية والقمعية بالعبث بالأرواح، إنه مشهد تحكم القلة الحاكمة في مصائر مليارات البشر.

كما نرى مجتمعات وفيرة الموارد، عظيمة الطاقات، لكن قيادتها لم تتخذ بعد القرار السياسي لتبدأ خطواتها في السباق الحضاري.

إن نقطة البدء تدعونا إلى تحليل هذه الظاهرة، والإجابة على التساؤلات التالية: لماذا تعيش كثير من الشعوب أحلام القلة التي تحكمها، وتتخلى عن حلمها؟ ولم تسمح المليارات للعشرات أو المئات من التحكم في مصائرها؟ وكيف يمكن للإعلام أن يساهم في تصحيح هذا الخطأ وأن يعيد إلى المجتمعات قوتها؟

مجتمعات قوية

إن بناء عالم جديد تسدوه قيم العدل والحرية والترابط يعتمد على فتوة وقوة المجتمعات، وتمكنها من توظيف ثقلها النوعي لصناعة القرار والدفع في المسار الحضاري، وامتلاكها البرامج الصالحة للتقدم، وسيطرتها على أدوات التحكم في الحكومات، فإما أن تدعمها، أو تعارضها، أو تغيرها.

الوعي بطبيعة القوة

ويستلزم هذا من المجتمعات أن تعي طبيعة القوة السياسية، وأن تحسن ضبط معادلة التوازن بين القلة الحاكمة والكثرة المحكومة، فتلفظ نظرية القوة الأحادية، (التي ترى العلاقة بين قمة الهرم في الدولة والشعب على شكل مثلث، تعتلي رأسه قلة تحكم،  بينما تمثل قاعدته مؤسسات المجتمع المتنوعة، والتي تستمد قوتها وبقاءها من تلك القلة المسيطرة. انظر شكل 1) وتستبدلها بنظرية القوة الجماعية متعددة المصادر[1]، (التي ترى الهرم مقلوباً، قاعدته إلى الأعلى تمثل مؤسسات المجتمع وأفراده، وقمته إلى الأسفل، تحوي الأداة التنفيذية)، فالقوة متجذرة في بنية المجتمع، يمنحها طواعية للقلة مقابل إدارتها لشئونه، وتحقيق أحلامه، وتنمية برامج التقدم التي يقررها، فالقلة التي تحكم لا تستغني عن المجتمع ومؤسساته، وإن قرر عدم التعاون معها فإنها تصاب "بالمجاعة السياسية"، فتفقد موارد الحياة، وتُحرم الطاقة التي يمدها به المجتمع، فتنزوي وتموت.

الإعلام بين النظريتين

ويلعب الإعلام دوراً كبيراً في ضبط هذا التوازن في معادلة القوة السياسية، فيحرص قادة الرأي في المجتمع على إعادة رسم الهرم في وعي الجماهير، ليحتل المجتمع بمؤسساته مكانه فوق القلة الحاكمة (انظر شكل2)، ويبشرون بأن المجتمعات أقوى وأبقى، فالمجتمع لا يمكن استبداله، بينما القلة يمكن أن تُستبدل بأخرى إذا أخفقت، والمجتمع ثابت، بينما الحكومات تتناوب عليه ما بين قوية وضعيفة، والمجتمعات خالدة، بينما الحكومات زائلة، والمجتمعات مالكة، بينما القلة الحاكمة مستأجَرة.

إن على الإعلام أن يعيد إلى المجتمعات عافيتها إن مرضت، ويزودها بأدوات تقويم المسار الحضاري إذا اعوجت، ويرسم لها مستقبلها، الذي تعتلي فيه المجتمعات الصدارة، لتتمكن من بناء حضارتها بدعمها أو معارضتها أو إطاحتها بحكوماتها، كما  يقلب الإعلام الهرم في وعيها فتظل أعلى من الحكومات.

وعلى المجتمع أن يعي محاولات السلطة في التغول وتوظيف الإعلام للتحكم في سلوك الناس، من خلال تكريس النظرة الأحادية للقوة،  فيكثف من أخبار القلة التي تحكم، متجاهلاً أخبار وقضايا الجمهور العريض، محاولاً تعزيز فكرة استمداد الكثرة قوتها من القلة، وغرس ذلك في اللاوعي عبر الإعلام والتعليم وكل أشكال الترهيب، وهو ما وصفه لازويل (1927) بالتلاعب والتحكم الاجتماعي.[2]

وبناء على نظرية القوة متعدد المصادر يمكن تلخيص منطلقات العمل الإعلامي المستقبلي كالتالي:

 - إعادة تعريف فلسفة توزيع القوة في المجتمعات على اعتبار أن القوة متعددة المصادرة وموزعة في المجتمع.

 - الانحياز إلى المجتمع بمؤسساته وتقديم كل ما يبعث فيه الأمل، وتبني قضاياه وما يعزز إحساس الجماهير بالقوة وإمكانية  الفعل.

الهدف من إعلام المستقبل

إن وضوح البوصلة لدى المهتمين بنشر الوعي في المجتمعات يكثف الجهود في اتجاه بناء مجتمعات قوية، وارتكازهم على نظرية صلبة يساعد على ضبط السياسات الإعلامية، ويحول دون الدوران في فراغ استراتيجي، فيمنع تضارب الأفكار والرسائل التي تبث للجمهور، ويقي من الوقوع في أسر الإعلام الموجه والمرصود لتضخيم نظرية القوة الأحادية،  فعلى إعلام المستقبل أن يتبنى كل ما يدعم النظرية الثانية، ويقاوم كل ما يرسخ النظرية الأولى.

إننا بذلك نتحدث عن مهمة الإعلام في سياق النظرة التغييرية، التي تسعى إلى بناء مجتمعات قوية، قادرة على المنافسة في ركب التطور الحضاري، والتي تتلخص في ثلاث كلمات... "بناء مجتمعات قوية". وتعني عملياً قلب المثلث (الهرم) في وعي الجمهور، لينتقل من مقعد المفعول به إلى منصة الفاعل.


[1] من أكبر المخاطر على المجتمع ضعف الوعي بطبيعة القوة، فتتكرس نظرية القوة الذاتية الأحادية ((Monolithic Theory، وسنلحظ في هذه النظرية تهميش المجتمع بمؤسساته وأفراده، واعتباره هملاً لا قيمة له، ولذلك نجد أنه عندما تريد مجموعة ما تغيير الأوضاع في هذه المجتمعات، تبدأ بالتفكير في كيفية استبدال هذه القلة بقلة أخرى، دون الاهتمام بتقوية المجتمع بكل مؤسساته، "فقوام الفعل السياسي هو تدمير وإزالة الخصم، عبر استدعاء الجيوش الخارجية أو تكوين جيش قوي يحارب الجيش النظامي أو عبر الانقلابات العسكرية والاغتيالات السياسية وما شابه ذلك من أعمال." (حرب اللاعنف الخيار الثالث... أكاديمية التغيير)

هذا التغيير في الغالب لا يشكل نقلة نوعية للمجتمعات، لأنه يكرس فكرة عجز الشعوب، ويعزز الفكرة القائلة بأن القوة هناك حيث تتواجد القلة في أعلى الهرم، فتُستبدل قلة بقلة، بينما يظل المجتمع مهمشاً أجيراً لدى هذه القلة.

وحتى يستوعب المجتمع مكانته، ويقوم بدوره كداعم أو معارض لبرنامج الدولة، يجب أن يُقلب في وعيه أولاً هذا المثلث، فيستبدل نظرية القوة متعددة المصادر ((Pluralistic-Independency Theory، بنظرية القوة الأحادية، "وأصحاب هذه النظرية يرون أن القوة السياسية تعتمد في بقائها وقوتها على التزود بها من مصادرها، من خلال تعاون حشود الجماهير والمؤسسات، ونظراً لأن القوة موزعة بين مجموعات ومؤسسات كثيرة في المجتمع فإن السيطرة عليها من قبل الديكتاتوريات أمر صعب، ويعتمد على إمكانية الحاكم في توجيه سلوك الناس." (حرب اللاعنف الخيار الثالث... أكاديمية التغيير)

 

[2] Perse, Elizabeth M. Media Effects and Society. Mahwah, NJ: Lawrence Erlbaum Associates, 2001.

 

المراجع العربية

أحمد عبد الحكيم، د. هشام مرسي، م. وائل عادل، حرب اللاعنف... الخيار الثالث، أكاديمية التغيير.

المراجع الأجنبية

§  Gene Sharp, The Politics of non-violent action. Boston: Porter sargent, 1973. Three paperback volumes.

§   Perse, Elizabeth M. Media Effects and Society. Mahwah, NJ: Lawrence Erlbaum Associates, 2001.

 سلسلة (نحو رؤية إعلامية لمجتمعات قوية)

عودة لكل الدراسات