عودة لكل الدراسات

سلسلة (نحو رؤية إعلامية مستقبلية لمجتمعات قوية)

الحلقة الثانية

دور إعـــلام المستقبــــل

للإعلام دور في قيادة التغيير الاجتماعي ..ليزلي مولر
بقلم: م/ وائـــل عـــــادل

9/3/2007
 
        يرى "ليزلي مولر" أن للإعلام وظيفة مهمة، وهي قيادة التغيير الاجتماعي[1]، وسنتعرض في هذه الحلقة إلى هذا الدور الذي يمكن أن تسهم به وسائل الإعلام في إحداث التحولات الاجتماعية عبر بناء مجتمعات قوية، انطلاقاً من نظرية القوة متعددة المصادر النابعة من لبنات المجتمع والتي تناولناها بالشرح سابقاً [2]. وبمعنى آخر فإننا نتحدث عن التطبيق العملي لنظرية القوة متعددة المصادر على المستوى الإعلامي.

ويمكن تلخيص بعض أدوار وسائل الإعلام التي ستقود التغيير الاجتماعي في أربعة مجالات رئيسية:[3]

 

 

 

 

 

أولاً: دور تثقيفى توجيهي

- نشر المعلومة والخبر.

- الدفع بالأفكار الحية الباعثة على الفعل داخل المجتمعات.

- الترفيه

 ثانياً: دور تنظيمي

- الرقابة على مصالح المجتمع.

- العمل على ترابط المجتمع.

- الحشد والتعبئة.

ثالثاً: دور معنوي

- بث الأمل في المجتمع بمؤسساته وأفراده.

- كسر حاجز الخوف من الفعل.

 رابعاً: دور الدعاية والحرب النفسية.

- دور وقائي ودفاعي.

- دور هجومي.

 

أولاً: دور تثقيفي توجيهي

نشر المعلومة والخبر

تُطلق المعلومة على أي حدث، أما الخبر فهو الواقعة التي ينتقيها الصحفي لأهميتها،[4]ويأتي دور إعلام المستقبل في توفير المعلومات التي تدفع بالناس في التفكير الإيجابي الخلاق، وانتقاء الأخبار التي تدفع بالمجتمعات إلى الأمام، وتخلق اتجاهات خلاقة للفعل الإيجابي، ولا يكثر من حيز نشر الأخبار التي تؤثر سلبياً في المجتمعات، وتؤدي إلى هزيمته نفسياً، وسنتناول هذا الأمر بمزيد من التفصيل عند حديثنا عن نظارة الإعلامي، وأخلاقيات إعلام المستقبل.

 الدفع بالأفكار الحية

كذلك تتحدث كثير من الدراسات الإعلامية عن دور الإعلام في التعليم،[5] [6] [7] وبالأخص تغيير القناعات وأنماط التفكير في المجتمعات، ذلك التغيير في الأفكار الذي يهدف إلى خلق أفعال إيجابية، لذلك على المهتمين بتقوية المجتمعات أن يبذلوا الجهد في:

 - التوعية من خلال ضخ تيار من الأفكار الحية التي تبشر بإمكانية الفعل في المجتمعات، والتصدي للأفكار القاتلة المعيقة والداعية للخمول، ويلعب نشر ثقافة وعلوم وفنون التغيير دوراً كبيراً في ترسيخ الأفكار وتنشئة الأجيال، فيتعزز التفكير الطموح، وعشق مجابهة التحدي، والقدرة على الحلم بمستقبل أفضل.

- تدريب أفراد المجتمع على المهارات[8] التي من شأنها أن تطور أداءه.

- عرض النماذج التي تمكنت من الاستجابة للتحدي وتحطيم أسطورة المستحيل داخل المجتمع وخارجه، مما يؤكد على إمكانية الفعل، سواء كانت نماذج لمناضلين سياسيين، أو مخترعين بارعين، أو فنانين وأدباء.. الخ.

ولهذه المنظومة المكونة من التوعية بالأفكار، والتدريب على المهارات، ونقل الخبرات أثر كبير في صياغة الحلم التعليمي للمجتمع.

 الترفيه

أما عن المساحة الترفيهية فتشغل حيزاً كبيراً من عمل وسائل الإعلام - حتى الإخباري منها- لجذب الجمهور،[9] ويرى "ماكويل" أن من وظائف الإعلام الترفيه من خلال تقديم التسلية والقضاء على التوتر الاجتماعي، ومن هنا تظهر أهمية الدور الترفيهي لإعلام المجتمعات القوية، الذي يقدم الأغنية والفيلم والألعاب الإلكترونية في صناعة احترافية مستنداً إلى قيم وثقافة بناء المجتمعات القوية.10

 

 

 

 

 

ثانياً: دور تنظيمي

الرقابة على مصالح المجتمع

ولا يكتفي الإعلام بدوره التوجيهي فحسب، بل يرى "ولبورشرام" أن من وظائفه القيام بدور المراقب11، الذي يقوم بالتالي:

-  إعداد التقارير حول الفرص والتحديات التي تواجه المجتمع، وتنبيه المجتمعات إلى الفرص المتاحة، والإشارة إلى مناطق الفعل المرتقبة، وكشف التحديات التي تقابل حركة التطور، والتحذير من عدم الاستجابة المناسبة لها.

-  تحديد أولويات الأهداف والمشاريع التي يجب أن يبذل المجتمع فيها جهوده.

- ونرى كذلك دوره في مراقبة العلاقة بين الحكومة والمجتمع، فيرصد مدى رعاية الحكومة لمصالح المجتمع، ومدى قيام المجتمع بدوره في الدعم أو المعارضة أو السعي لتغيير الحكومة. إنه يرصد ديناميكية العلاقة بين المجتمع والحكومة، ومدى تطور هذه العلاقة عبر محاولات الحكومة تقنين الأساليب المستوحاة من نظرية القوة الأحادية في توجيه سلوك الجماهير نحو الطاعة والخوف من السلطة، ومن جهة أخرى يرصد تطوير المجتمع لآليات استعادة توزيع القوة داخله مرتكزاً على نظرية القوة متعددة المصادر.

 العمل على ترابط المجتمع

ولا يكتفي الإعلام بالدور الرقابي فقط؛ بل يساهم تنظيمياً في تماسك المجتمع اجتماعياً، فالتماسك الاجتماعي من أهم مقومات المجتمعات القوية، ودليل صحتها، وبتواصل شرائح المجتمعات يتطور الرأي العام12، ويمكن تقوية الترابط في المجتمع من خلال:

- إيجاد قاعدة مشتركة من المعرفة والعادات والتقاليد والمهارات وتراكم الخبرات بين قطاعات كبيرة من المجتمع مما يوفر أرضية صلبة للتفاهم، ويضع معايير مشتركة بين أفراد المجتمع لتقييم الصواب والخطأ، وما يصلح المجتمع أو يفسده.

- نشر القيم التي تؤسس لمجتمعات مترابطة مثل قيم العدل والإخاء والحرية.

- التوعية بأخبار قطاعات المجتمع وشرائحه المختلفة، فعلى سبيل المثال يكشف الإعلام للمجتمع بأكمله أخبار القرى النائية بإنجازاتها أو التحديات التي تواجهها، و في حالة المجتمعات التي تعيش فيها جاليات وأقليات مختلفة، فإن للإعلام دور في دمج السكان الجدد في المجتمع13، والتعبير عن ثقافات الجاليات وعاداتها المختلفة.

وتساهم وسائل الإعلام المتطورة كالإنترنت والهاتف المحمول - بإمكانياته الحديثة 14- في ترابط شرائح المجتمع المختلفة، عن طريق خلق منافذ للالتقاء يصعب أن تسيطر عليها الحكومات، وبذلك أصبح الاتصال بين فئات المجتمع المتنوعة ميسراً، مما يسهل عملية تناقل المعلومات ويقوي روابط المجتمع.

وإن المستقبل ليحمل لوسائل الإعلام الجماهيرية تطوراً كبيراً، يسمح للمجتمع بالتواصل بحرية عابراً الحدود التقليدية، ومتجاوزاً الخطوط  الحمراء التي تحاول أن تفرضها عليه حكومات الماضي. فالحكومات التي ستحاول منع المجتمع من وصوله إلى مستقبله لن تصمد أمام الوسائل الإعلامية الحديثة.

الحشد والتعبئة

وإذا كان الإعلام يسهم في تقوية الترابط بين المجتمع، فإنه كذلك قادر على تحريك الكتل البشرية من أجل القيام بعمل ما، ويمكن تصنيف استخدامات وسائل الإعلام في الحشد والتعبئة في ثلاثة مستويات:

مستوى الحشد والتعبئة الداخلية: كالذي تقوم به الحركات ومؤسسات المجتمع المدني لدعوة أفرادها لحضور انتخابات داخلية أو مناسبة اجتماعية، فتستخدم وسائل الاتصال الداخلية في توصيل معلومة أو حشد أفراد، ويكون الجمهور هنا هو أفراد المؤسسة أو الحركة.15

- مستوى الحشد الخارجي: كالذي تقوم به المؤسسات والحركات عند دعوة الجماهير العريضة للمشاركة في حملة تبرع بالدم، أو حملة  للمشاركة في نشاط ما، كدعوتهم للمساهمة في الحملات الاجتماعية.

- حشد الدولة للشعب: كأن تقوم الحكومة بالحشد والتعبئة من خلال وسائل الإعلام وبصفة خاصة في المشاريع المصيرية أو عند التعرض لأزمات اقتصادية مثل تعرض الدولة لحصار اقتصادي وفرض عقوبات عليها، أو عند التعرض لخطر تهديد خارجي عسكري مثل الحروب.16

 

 

 

 
 

ثالثاً: دور معنوي

بث الأمل في المجتمع بمؤسساته وأفراده

وكما يهتم الإعلام بعقل الإنسان فينمي عالم أفكاره، ويعتني بترابطه فيطور عالم علاقاته، كذلك يهتم برعاية عالم المشاعر، فيقوي نفسية الجماهير، وعلى المجتمع الإعلامي أن ينتبه لطبيعة الوجبة التي تقدم إلى الجمهور، فيحرص على بث كل ما يبعث الأمل من خلال:

- عرض التجارب الناجحة للمجتمعات التي تطورت وتمكنت من تغيير أوضاعها، واستجاباتها المبدعة للتحديات التي واجهتها.

- عرض نماذج إيجابية عملية لمبادرات قام بها أفراد ومؤسسات المجتمع، بحيث تحفز هذه المبادرات الآخرين ليسلكوا مسلكهم، ويؤمنوا بإمكانية التحول. ويجب أن تشمل هذه النماذج شتى المجالات، من سياسة واقتصاد وفن وأدب... الخ، حتى يجد كل فرد في المجتمع حافزاً له في المجال الذي يبدع فيه.

- عرض تراكم الإنجازات التي يصنعها المجتمع بفن وبراعة، كي يتعرف الجمهور على عظمة المحاولات التي تبذل، ويعتاد القدرة على الفعل.

وعلى الإعلاميين أن ينتبهوا إلى ما أطلق عليه بعض علماء الاتصال - أمثال "لازرسفيلد" و"ميرتون" -  " التخدير".17، والذي يشير إلى الرسائل السلبية التي تبث إلى الجماهير عن طريق فضاء الإعلام المفتوح الذي يمطر الناس يومياً بقصف من الأخبار السيئة، فيُحَوِّل طوفان المعلومات معرفة الناس إلى معرفة سلبية، فيصابون باللامبالاة، وتضعف مشاركتهم في الأحداث.

 كسر حاجز الخوف من الفعل

ومع إحياء الأمل في النفوس تحتاج المجتمعات إلى اقتلاع وهم الخوف من قلوبها، ذلك الخوف الذي يشكل التحدي الكبير أمام الحراك18، وباقتلاعه تزداد قيمة الحلم المستقبلي رسوخاً في وعي المجتمع.


 

 

 

 

 

 رابعاً: دور الدعاية والحرب النفسية

دور وقائي ودفاعي

ولا يمكن ضمان ديمومة النفسية العالية للمجتمعات دون وجود جهاز وقائي ضد المؤثرات الخارجية التي تسعى لسحق نفسية مجتمع ما، فكثير من المجتمعات تتعرض لشن الحرب النفسية من أطراف أخرى، سواء كانت هذه الأطراف دولاً خارجية، أو حكومة داخلية تسعى لتخويف الجماهير وفك أواصر المجتمع، وترسيخ نظرية القوة الأحادية، وهنا تمارس مؤسسات الإعلام الحرة دورها في حماية أسوار المجتمع من قصف الحرب النفسية، فتعمل على مواجهة الدعاية التي يروج لها الخصم، من خلال استخدام تكنيكات الدعاية المتنوعة.19

دور هجومي

كذلك تمارس مؤسسات "إعلام بناء المجتمعات القوية" دورها في توجيه دعايتها وشن الحرب النفسية على الخصوم، لإشعارهم بعقم ما يقومون به، فتكشف سلبياتهم، وتظهر مناعة المجتمع وقوته وجسارته، وتؤكد عدالة القضية التي يتحرك من أجلها، لإقناع بعض الأطراف الداعمة والمتعاونة مع الخصوم بالانتقال إلى معسكر المجتمعات.

 


 

  

 

 لقد حاولنا  أن نبين فيما سبق أهم الأدوار الوظيفية لإعلام المستقبل، الذي يبني المجتمعات القوية، وهذه الأدوار بطبيعتها تتطلب تسخير كل وسائل الإعلام لخدمتها، كما ستحفز المبتكرين في تكنولوجيا الإعلام لإبداع وسائل إعلامية تزيد من قوة المجتمعات، وتخترق مفهوم لنظرية الأحادية للقوة، فتمكن من التواصل بين الأفراد والمؤسسات، إن الإعلام الذي سيقود التغيير الاجتماعي يستنفر الخبراء وأهل الفكر والتكنولوجيا ليطوروه ويهدوه للمجتمعات الحالمة بمستقبل مشرق.

 


[1] د. حسن عماد مكاوي، د. ليلى حسين السيد في كتاب  الاتصال ونظرياته المعاصرة، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط1، 1998.

[2] الحلقة الأولى من سلسلة "رؤية إعلامية مستقبلية لبناء مجتمعات قوية".

[3] ليس للباحثين الإعلاميين اتفاق أساسي حول وظائف الإعلام في المجتمع كما يذكر د. حسن عماد مكاوي، د. ليلى حسين السيد في كتاب  الاتصال ونظرياته المعاصرة، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط1، 1998.

[4] Hiebert, Ray Eldon, and Sheila Jean Gibbons. Exploring Mass Mediaa Changing World. Mahwah, NJ: Lawrence Erlbaum Associates, 2000.

[5] Blanchard, Robert O., and William G. Christ. Media Education and the Liberal Arts: A Blueprint for the New Professionalism. Hillsdale, NJ: Lawrence Erlbaum Associates, 1993.

[6] Sholle, David, and Stan Denski. Media Education and the (Re)production of Culture. Westport, CT: Bergin & Garvey, 1994.

[7] الإعلام العلمي والجمهور، المنظمة لعربية للتربية والثقافة والعلوم، إدارة الثقافة، تونس، 1994.

[8] (Schramm, w. 1964: 38-43)

[9]Hiebert, Ray Eldon, and Sheila Jean Gibbons. Exploring Mass Mediaa Changing World. Mahwah, NJ: Lawrence Erlbaum Associates, 2000.

10 تصنف الكثير من الدراسات الإعلامية الترفيه كدور مستقل بعيداً عن التعليم، إلا أننا هنا نضعه تحت بند التوجيه، لما للدور الفعال لأساليب التسلية من غناء وفن وألعاب في التأثير على العقول.

11 د. حسن عماد مكاوي، د. ليلى حسين السيد، الاتصال ونظرياته المعاصرة، القاهرة ، الدار المصرية اللبنانية، ط1، 1998.

12  نفس المصدر السابق

13  Becker, 1987 S.1.439 – 442

14 النتائج الأولية لدراسة أعدتها أكاديمية التغيير "المحمول سلاح الحشد والمقاومة، رسالة ماجستير وائل عادل مدير القسم الإعلامي بالأكاديمية" لم تنشر بعد.

16 د. حسن عماد مكاوي، د. ليلى حسين السيد، الاتصال ونظرياته المعاصرة، القاهرة ، الدار المصرية اللبنانية، ط1، 1998.

17 نفس المصدر السابق.

18  Gene Sharp, The Politics of non-violent action. Boston: Porter sargent, 1973.  


 

19 للمزبد من التفاصيل حول دور الدعاية يمكن الرجوع إلى د. محمد عبد القادر حاتم، الرأي العام وتأثره بالإعلام والدعاية، بيروت، مكتبة لبنان.

 سلسلة (نحو رؤية إعلامية مستقبلية لمجتمعات قوية)

عودة لكل الدراسات