عودة لكل الدراسات

سلسلة (نحو رؤية إعلامية لمجتمعات قوية)

الحلقة الثالثة

نظــــارة الإعلامي

أشعة إكس... تقول بإمكانية الفعل
  م/ وائل عادل

16/3/2007
 
ما هي النظارة؟

النظارة تبحث عن الجمهور

النظارة وأشعة إكس

خصائص النظارة

نماذج لمجتمعات صنعت نظارات

تساؤلات

        بعد أن تناولنا بعض الأدوار المهمة التي يلعبها الإعلام لبناء المجتمعات القوية، نتحدث عن بعض سياسات الإعلام المستقبلي، وهي الموجهات والضوابط التي تحكم الرؤية التحريرية للعمل الإعلامي، أو بتعبير آخر "نظارة الإعلامي".

 ما هي النظارة؟

تجسد فكرة النظارة هوية المؤسسة الإعلامية، فمن خلالها يبصر الإعلامي، وهي التي تحكم رؤيته للخبر، ويكون لها دور في اختيار أو رفض نشر الخبر، بل وتتدخل في انتقاء مفردات كل ما ينشره من خبر أو تقرير أو مقال، الخ.

وحين تقع عين الإعلامي على أي حدث فإنها تنظر إليه من خلال نظارته، تلك النظارة التي تبحث عن زاوية تبشر بإمكانية الفعل، أما الذين لا يجهدون أنفسهم في البحث عن الزاوية؛ فيلجئون إلى فلسفة البكاء والندب والتنديد بالواقع. إن نظارة المستقبل تختصر رسالة الإعلامي للجمهور في كلمتين :إمكانية الفعل.

 النظارة تبحث عن الجمهور

وعلى الإعلامي أن يتساءل قبل أن يطرح أي فكرة، هل أكتب لنفسي أم أكتب للجمهور؟؟ وما الذي أريده من الجمهور من خلال ما أبثه له؟ وكيف أريده أن يستجيب؟

 إن الإعلامي الذي يرتدي نظارة التغيير يبحث قبل أن ينشر أي معلومة أو خبر أو فكرة في مدى مساهمتها في بناء المجتمع، فهو لا يكتب لينفس عن أفكاره المختزنة، بل يحسن ضبط معادلة إعلام المجتمعات القوية.

النظارة وأشعة إكس

وبذلك فالإعلامي يلتقط بعدسته الزوايا الصعبة التي لا يجيدها إلا المحترفون، ونظاراته مزودة بأشعة إكس التي تخترق عمق أي خبر، فلا ترى في الفقر بؤساً؛ بل تبصر فيه وقود الثورة، ولا تبحث عن نشر مآسي المجتمعات ليزداد إحباط أفرادها؛ بل تنقب عن طليعة أحسنت استثمار المآسي واستخدمتها لترويض الواقع وتغييره، إن إعلام المستقبل يعتز بانتمائه لمجتمعه، إنه إعلام ينتقل إلى الجماهير.

وبذلك يلج الإعلاميون بوابة صناعة المستقبل فلا يكتفون بالترويح للواقع، فالواقع السيئ يعلمه الكثيرون، ولا يحتاج إلى زيادة الندب والنواح، لكن الفرص المنثورة في هذا الواقع تحتاج رؤية ثاقبة تستجمعها، وتتطلب نظارة مختلفة تحيط بها. إن القلة المسيطرة تسعى لأن تبيع الإعلاميين نظارات تكرس نظرات البؤس والحرمان، ومعاني العجز واليأس، فلا يبصرون إلا ما تريده تلك القلة، ولا يرون ما يصنع مستقبل المجتمعات.

إن  النظارة الإعلامية بحاجة إلى تصنيع ينطلق من مصانع المفكرين الأحرار، نظارات جديدة، تتلون بألوان المستقبل، فلا ترى إلا حركة وعزماً، ولا تبصر إلا فرصة ونصراً. هذه النظارات يبيعها الكتاب والمفكرون والمدرسون والقادة والإعلاميون والفنانون وكل من هو معني باستنهاض المجتمع. ويفسرون من خلالها كل مشهد ظاهره بائس ليظهروا للناس الفرص الكامنة، فبين سيل الأمطار ترجل شاب ذكي ليبيع الناس المظلات، فأبصر في السيل فرصة، وعند اشتداد الحر تكسب بائعو المرطبات الذين يقتاتون من الحر ويعتبرونه موسم خير وبركة.

 خصائص النظارة

ويمكن أن نلخص خصائص الرسالة الموجهة إلى الجمهور في أنها:

شبابية: أي أنها طموحة تتدفق حيوية وعزماً، وهذا بالتأكيد سينعكس على لغتها وموضوعاتها.[1]

مستقبلية: أي أنها رسالة تقود إلى المستقبل، ولا تكتفي بشجب الواقع، بل تدعم كل ما يعمل على إحداث التحول المستقبلي المنشود، كما تعالج منهجيات التفكير التي تشوش على الرؤية المستقبلية والقدرة على الحلم.

إيجابية: تقود إلى فعل إيجابي، وإلى الإحساس بإمكانية الفعل في ظل معطيات الواقع التي تبدو صفرية، فعلى الإعلام أن يغير هذه النظرة، بطرحه المشاريع الناجحة والمبادرات الفعالة لأبناء المجتمع، حتى تشجع الآخرين على الفعل الإيجابي والمحاولة.

 نماذج لمجتمعات صنعت نظارات

وقد استخدم إعلاميون في بعض المجتمعات التي كانت تعاني من القهر فكرة النظارة، فصنعوا نظارات ترى صورة المستقبل المشرق، وباعوا هذه الأحلام للجماهير التي شهرت على قدرتها على الفعل.

في عام 1989 دعا بينوتشيه في تشيلي إلى استفتاء عام، فكرت حملة المعارضة في عمل حملة دعائية أطلقت عليها "حملة لا"،  فجهزت "حملة لا" لبرامج تليفزيونية تبرز التعذيب والقتل والسجن، لكن المستشارين السياسيين نصحوهم بأن التفكير في مخاوف الماضي قد يضعف اهتمام الناس، وبالفعل كانت مساحة عرض مستقبل تشيلي أكبر من مساحة عرض معاناة التشيليين، يقول كينوولاك من المعهد الديمقراطي الوطني للشئون الدولية في واشنطن "لقد طوروا حملة نحو المستقبل، كانت حملة ركزت على مسائل المعيشة اليومية، ففاجأت نظام بينوشيه ومؤيديه إلى أقصى حد، وتناولت الحملة وجه تشيلي المشرق، وأظهرت مشاهد كثيرة لحالة الرفاه التي ستحياها البلد، ففتيات يرقصن الباليه، وأطفال يلعبون في مرح، وفتية يركبون الخيل، وكهل يدعو ربه، كان كل من شارك في الإعلان التلفزيوني للحملة مبتسماً، حتى أن مساحات السيارات بدورها بدأت تتحرك مع إيقاع أغنية متفائلة، كما يحرك شخص أصبعه ويقول "لا"، وأظهرت الحملة لقطات للطب والإدارة، وأطلقوا شعاراً إيجابياً  للحملة "الفرح قادم" أما الشعار المرسوم فكان كلمة "NO"  محاطة بقوس قزح.[2]

وفي صربيا في عام 2000 فقد أبدعت المعارضة في رسائلها الإيجابية، فلم تتناول الظلم والقهر كذلك، فأحد الإعلانات التليفزيونية جاء بصورة كوتشونيستا – مرشح المعارضة للرئاسة، وركز الإعلان على عينيه مخاطباً ميلوسوفيتش- كان هو الرئيس حينها، "من الذي يجرؤ للنظر في عينيك... كوتشونيستا"، فكانت رسالة إيجابية أن كوتشونيستا لا يخاف وسيقف أمام ميلوسوفيتش، كما أطلقت حركة "أتبور"- أبرز حركات المقاومة- شعاراً للحملة "انتهى أمره"، أي أمر ميلوسوفيتش.[3]

والشاهد من هذين النموذجين – رغم أنهما نموذجين للدعاية وليس لتغطية خبرية- هو أهمية إرسال الرسائل الإيجابية للجمهور، والتعامل بوعي مع نفسيته، والتحديد الدقيق لهدف الإعلامي، والرأي أو السلوك الذي يريد تكوينه لدى الجمهور.

 أهم التساؤلات

كانت هذه هي الخطوط العريضة لفكرة النظارة، وقد طرحناها في عدة دورات فأثارت تساؤلات مهمة، نجيب على أهمها حتى تتضح الصورة.

         كيف يمكن صناعة المستقبل من خلال الإعلام؟ أليس دور الإعلام هو نقل أخبار الواقع؟

        يشكل الإعلام الذي يسعى لبناء مجتمعات قوية نافذة هذه المجتمعات لرؤية المستقبل، حيث أنه ينبش تربة الواقع باحثاً عن بذور المستقبل، فالمستقبل لن يأتي فجأة، لكنه سيأتي بفعل أقوام موجودين في الواقع، فإذا تأملنا طلبة المدارس فيوماً ما سيخرج من أحدهم الوزير والمخترع والسياسي المحنك، إن تربة الواقع مليئة بالنبت الصالح، ودور الإعلام أن يفتش عن مفاتيح المستقبل في الواقع، ليقدمهم إلى الجمهور، ويحفزهم على الحراك، كما أنه بعرضه إنجازاتهم سيزيد من حماسهم لصناعة المستقبل، وسيشجع غيرهم على الفعل. إنه إعلام لا يكتفي بتغطية الأحداث، بل يصنعها بفعله التحريضي.

         يبدو الواقع أحياناً مليء بالأحداث السيئة، كيف يمكن التعامل مع هذه الأحداث؟ وهل المطلوب عدم نقل الأخبار السيئة إلى الجمهور؟

"إن لكل مشهد أكثر من زاوية للنظر، فعلينا أن نختار بين الزوايا، وأن نحدد مصيرنا باختيارنا، إما أن نكرس اليأس فنلجأ إلى تصوير الهواة الذين يلتقطون صورة لظاهر المشهد؛ وإما أن نستجلب اللقطات بحرفية من زوايا صعبة تنطق بالقدرة على الفعل. فالقائد مصور محترف بالدرجة الأولى، ويأبى لقطات الهواة التي يتمكن منها كل إنسان."[4] فإن كنت ترى مشهداً لأطفال يبكون بعد أن قصفت بيوتهم، يمكنك أن تصور دمعة الطفل، أو تسلط الكاميرا على قبضته المشدودة الغاضبة، أو توازن بين اللقطتين بصيغة تدفع الأمل في قلب المشاهد.

كما أننا يجب أن نتساءل؟؟ ما هو الواقع؟؟ هل الواقع فقط هو ما نراه ويحدث صخباً؟؟ هل مرور الكهرباء في السلك واقع أم لا نعتبره واقعاً لأننا لا نراها؟ وهل غيابها عن العين ينفي دورها المحوري في إضاءة المصابيح وتشغيل المعدات؟؟ إن المجتمعات مليئة بالأدوار الفعالة التي تشكل جزءاً مهماً من واقعها، إلا أنه لم تتسنى رؤيتها بعد.

و إذا كانت لدينا مدينة ساحرة الجمال خلف جبل ضخم، هل الحقيقة هي أن المكان لا يوجد به سوى جبل لأن العين لا تبصر غيره؟؟!! أم أن المصور عليه أن يتسلق الواقع الجبلي لينقل لنا الصورة الساحرة الواقعة خلف الجبل؟؟!! إن الواقع يغطيه عادة واقع آخر، والبحث عن الواقع المؤثر إيجابياً سيرتكز عليه إعلام المستقبل. والكنوز الإيجابية في المجتمعات هي عين الواقع، غير أن أخبار القلة غطته وشوشت عليه.

إن الحقيقة التي يجب أن يقدمها إعلام المستقبل هي أن المليارات موجودة، ويجب أن تأخذ حجمها الإعلامي كأكثرية مالكة لمجتمعها، هذه هي الحقيقة التي يجب التأكيد عليها. وهذا هو الواقع الذي يجب أن يراه الإعلامي وينقله للجماهير.

كيف يمكن للنظارة أن ترى وتبعث الرسائل الإيجابية دائماً، هل المطلوب منها تحسين القبيح؟ وهل تتغافل عن الأحداث السيئة؟

ليس بالضرورة أن رسائلنا الإيجابية تنطلق من التبشير بمشاريع فتية تقوم بها المجتمعات، أو ملاحم نضالية، فالمعاناة اليومية نفسها لابد من نقلها، والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف سنتعرض لقضية يبدو ظاهرها سلبي؟؟!!

فإذا أخذنا ظاهرة مثل الفقر، هذه الظاهرة يمكن استخدامها بعدة طرق:

"البطالة... بوابة الهجرة"، "البطالة... شرارة التغيير"، سنلحظ أننا في العنوانين تناولنا قضية البطالة، لم نخفي الواقع، لكن معالجتها في العنوان الأول تصب اليأس في النفوس، على اعتبار أنها مشكلة يتم التخلص منها بالهجرة، وعلى من لا يملك القدرة أو تتاح له الفرصة للهجرة أن يظل مكانه ليتجرع مأساة البطالة.

 أما العنوان الثاني فرغم أنه ذكر نفس القضية السلبية في المجتمع؛ إلا أنه يوحي بالإيجابية، فأشار إلى أن البطالة تحدي يجب أن يستجيب له المجتمع بالتغيير، وبذلك صاغ العنوان رسالة إيجابية من قضية البطالة السلبية، ليُنتج منها سلوكاً إيجابياً، أما في محتوى التقرير في الحالتين فستُستخدم نفس الحقائق ونفس الإحصاءات ونفس الصور التي تدل على تدهور الأوضاع، لكنها في المعالجة الأولى ستولد يأساً، وفي الثانية ستبعث أملاً، إنها في الأولى ستندد بالواقع، وفي الثانية ستسعى إلى تغييره.

إننا حين نتحدث عن الرسالة الإيجابية لا نعني الحديث عن النماذج الناجحة في المجتمعات فحسب؛ بل نعني استخدام نفس مفردات الواقع، مفردات الفقر والبطالة والغلاء، لتغيير الواقع لا لدعمه.

هل إعلام المستقبل بذلك يتخلى عن الحيادية؟ أليس دوره مجرد تقديم الحقائق وعلى الجمهور أن يختار موقفه؟

إن الحديث عن الحيادية يبدو أقرب لخداع الذات، فأي مؤسسة إعلامية لها رسالتها الخاصة، وحتى القنوات التي تعرض الرأي والرأي الآخر لا تنطلق بالضرورة من منظور حيادي، بل تستخدم الحيادية لتحقيق أهدافها، فتعطي مساحة ما للرأي الآخر، لكنها تعطي المساحة الأكبر للرأي الذي يخدم أهدافها وتدعم موقفه، هذه المساحة نلحظها في المدة الزمنية التي يظهر فيها ممثلو الرأي الآخر على الشاشة أو في الإذاعة، نسبة لإجمالي ساعات البث، أو عدد الصفحات التي تخصص للرأي الآخر في الصحف نسبة إلى العدد الكلي لأوراق الصحيفة.

ويجب ألا يهمل الحديث عن الحيادية ما يفعله الخصوم، الذين يقصفون المجتمعات بدعاية مسمومة تسعى للنيل من إرادتها الأبية، ومناعتها الحصينة، فهل يعمل سلاح الحيادية في مواجهة آلة دعائية ترسخ نظرية القوة الأحادية، لتحتل أخبار القلة الحصة الأكبر من الوجبة الإعلامية التي تقدم للجمهور، فترسخ في اللاوعي عنده أنه ثمة قوة واحدة تحكم العالم، إنها قوة القلة. إن السلوك الإعلامي لهذه القنوات "الحيادية" قد سفك دم الحيادية. وإلا فهل من الحيادية أن تغيب المليارات بأحلامها وإنجازاتها عن الشاشات والصحف لصالح العشرات؟؟!!

وإذا كانت الحيادية تهدف إلى أن يتعرف الجمهور على الرأيين، فإن الجمهور بالفعل محاط بإعلام القوة الأحادية، والحيادية تتطلب أن تنتفض مؤسسات إعلامية مرتكزة على إعلام القوة متعددة المصادر،[5] حتى تتجلى للجمهور الصورة الأقرب للحقيقية، من مجموع ما يقدم إعلامياً عبر إعلام القوة الأحادية وإعلام القوة متعددة المصادر. أي أننا لا نتحدث هنا عن حيادية وسيلة الإعلام الواحدة، بل نتحدث عن الحيادية التي ستنتج عن تفاعل المنظومة الإعلامية الكلية في المجتمع بمختلف مؤسساتها، منظومة مؤسسات الإعلام الحر مع منظومة موسسات الإعلام الذي يروج للقلة.

إن الوقوع في أسر الحيادية دون وعي مغبته خطيرة، فتحت نيران آلة الدعاية المرتكزة على نظرية القوة الأحادية يصبح الصمت عنها خير خادم لمشروع الخصم، فإذا كانت مجموعة ما في المجتمع لا تعارض ولا تدعم النظام؛ فإنها -بالتعمق في طبيعة القوة السياسية- داعمة دون أن تدري، لأنها تكرس بسلبيتها فكرة سيطرة القلة على الكثرة، لذلك فالإعلام غير المنحاز للمجتمع هو بطبيعة الحال منحاز لمشروع الخصم دون أن يدري، ذلك المشروع الذي جوهره ضمان طاعة المجتمع له.

إننا بذلك نتحدث عن الانتقال إلى المستقبل من منظور واقعي، لا نفترض فيه ابتداء غياب الإعلام المضاد، أو أن إعلام المستقبل يعمل في فراغ بدون تأثير المشاريع الأخرى المقاومة لمشروع تقوية المجتمع، لذلك نرى أهمية خلق اتزان في الوجبة الإعلامية التي تغذي عقل الجمهور، هذا الاتزان الذي تصنعه مؤسسات إعلام المستقبل. وإذا لم ننتبه لذلك سيكون حديثنا عن الحيادية المطلقة ضرب من ضروب الخيال، وأبعد ما يكون عن واقع التنافس الإعلامي لكسب الرأي العام.

 إذا كان لنظرية الإعلام المستقبلي رأي في الحيادية وحدودها، فهل بذلك سنتجاوز أخلاقيات العمل الإعلامي المتعارف عليها؟

إن أعظم جريمة يمكن أن يرتكبها أي إعلامي هي أن يقتل نفساً، أن يوقع فيها الوهن واليأس، بحجة أن الإعلام وظيفته نقل الحقيقة، وأعظم رسالة يمكن أن يعيش من أجلها، أن يحيي نفساً، فيبث فيها الأمل ويدفعها للعمل، لذلك فنقل الحقيقة إعلامياً ليس مطلوباً لذاته، بل هو أداة لبناء مجتمعات قوية، وإذا قدم الإعلام رسالة صادقة لكنها تهدم النفسيات فهو إعلام لا أخلاقي، بينما إذا قدم رسالة تبعث الأمل – ربما لا تبرز كل الواقع أو تعالجه بشكل ما دون تحريف أو اختلاق - وتبني المجتمع فهو إعلام أخلاقي وإن نعته البعض بالكذب.

لذلك نرى الدعاية تستخدم في الحروب، فتضخم بعض الأحداث وتهمل بعضها، بهدف الحفاظ على معنويات الجنود، حيث يسعى كل طرف إلى هزيمة نفسية معسكر الخصم، وهنا يبدأ كل طرف في استخدام تكنيكات الدعاية، وإظهار الأخبار التي ترفع معنويات جماهيره، والحد من الأخبار التي توهن عزائمها.

وإذا كانت المجتمعات تخوض معركة المستقبل، وتقاوم أعتى الآلات الإعلامية المضادة؛ يظل العمل الإعلامي الأخلاقي هو الذي يدفع بالمجتمع إلى الأمام، ويحميه من دعاية الخصوم. وعلى الإعلامي أن ينتبه جيداً لما يبث، وعلى المفكر أن يحسن اختيار عباراته، وإلا خدم مشروع الخصوم دون أن يدري.

إننا لا ندعو إلى أن يتسم إعلام المستقبل بالكذب، وإنما ندعو إلى إعلام واع، يعي أن الحقيقة ليست هي أخبار القلة، فهذا عين الكذب، وقد أجبنا على ذلك سابقاً.

 

بذلك نكون قد انتهينا من شرح فكرة النظارة وسنفرد الحلقة القادمة في الحديث عن كيفية صناعة النظارة.


 

[1]  ليس معنى ذلك إهمال بقية الشرائح العمرية ولكننا هنا نتحدث عن بؤرة التركيز لإعلام يعمل على بناء مجتمعات قوية عمادها الشباب.

[2]  الفيلم الوثائقي "سقوط ديكتاتور" في مكتبة فيديو أكاديمية التغيير  http://taghier.org/arabic/vedio.html

[3] الفيلم الوثائقي "الإطاحة بطاغية" في مكتبة فيديو أكاديمية التغيير  http://taghier.org/arabic/vedio.html

 [4]  م/ وائل عادل، زلزال العقول، أكاديمية التغيير.

[5]  راجع النظرية الإعلامية في الحلقة الأولة من السلسلة.

 

 سلسلة (نحو رؤية إعلامية لمجتمعات قوية)

عودة لكل الدراسات