الإعلام المرئي | الإعلام المقروء

«حرب اللاعنف ـ الخيار الثالث»

السلم يحتاج إلى استراتيجيات

السفير - الأربعاء 1 أغسطس  2007 - العدد 10764 - ثقافة

رابط الجريدة
 
صفوان حيدر
 
اذ يطرح هذا الكتاب «حرب اللاعنف... الخيار الثالث» فإنه يسعى الى فتح آفاق جديدة على بدائل «واقعية» وليست مثالية، يمكن استخدامها في معارك التغيير، فلا يكفي للانتصار في معارك الحرية مجرد الدفاع عن أهداف التحرر بقوة وصلابة لفترة طويلة، بل يجب تحويلها الى واقع عملي، فترديد الاهداف لا يعني تغيير الاوضاع القائمة، بل لا بد من وجود مسار واضح وفعال، وهذا الكتاب محاولة اولى وجريئة في رسم معالم هذا المسار.
ولا تعتبر «حرب اللاعنف» ضمانا وحيدا للنجاح مثلما يعد استخدام العنف ضمانا وحيدا بدوره، فحرب اللاعنف ليست طقوسا او تعاويذ تتلى، بل تتشابه مع الحروب العسكرية في احتياجها الى استراتيجيات وتكتيكات وحسن ادارة للصراع، وحشد للموارد والمؤثرات، ولا توجد في «حرب اللاعنف» ضمانات بنصر محقق قصير الأجل، وقريب التناول، بل إن حرب اللاعنف لا تختلف إلا في الممارسات عن الحروب العسكرية التي بدورها لا تضمن النصر المحقق بالضرورة والالزام. فهناك مستلزمات تحتاجها حرب العنف وأسلوبه كما هناك مستلزمات تحتاجها حرب اللاعنف وأساليبه وممارساته.
من هنا تبرر الاهمية الفكرية التأسيسية لهذا الكتاب الصادر عن «الدار العربية للعلوم» تحت عنوان «حرب اللاعنف» ـ الخيار الثالث ضمن سلسلة حرب اللاعنف التي تهتم بنشرها اكاديمية التغيير.
Academy of change، التي يشرف عليها على موقع الانترنت w.w.w.taghier org. أحمد عبد الحكيم وهشام مرسي ووائل عادل، والخيار الثالث هو البديل عن: اما العنف او الاستسلام، وهو الذي قد يفتح الطريق الى المستقبل اذا احسن استخدام الوسائل والتكتيكات والاستراتيجيات.
موضوع الكتاب
موضوع هذا الكتاب هو الاجابة عن معنى اللاعنف عبر شرح مستويين: الفلسفة والسياسات. ومن ثم ينقسم الكتاب الى ثلاثة أبواب: نشأة وجذور حرب اللاعنف ثم الباب الثاني الذي يتناول مفهوم حرب اللاعنف عبر المباحث التالية: طبيعة الصراع ـ اطراف الصراع ـ طبيعة القوة السياسية ـ طبيعة اسلحة حرب اللاعنف. اما الباب الثالث فيتناول بعض الأسس والركائز المهمة التي تضبط حركة المقاومة خلال صراعها ضد خصومها، كما يعالج بعض المفاهيم الخاطئة الشائعة حول اللاعنف. ويلي هذه الأبواب ملحق يتناول التجارب التغييرية في العالم كالثورة الروسية قبل استيلاء البلاشفة على السلطة والمقاومة الصينية للغزو الياباني والتجربة الهندية تحت قيادة غاندي التي يفسح فيها الكتاب شروحات وافية، ثم الثورة الايرانية التي يشرح فيها الكتاب الظروف التي كانت سائدة ايام الشاه، ونضال الخميني وانتقاله الى العراق ثم الى فرنسا وعلاقة الخميني برجال الدين الشيعة وبالمواطنين وكذلك دور الجيش الايراني في انتصار الثورة الايرانية، كما يعالج الكتاب الثورة الفليبينية والتجربة الفرنسية في الجزائر وتجربة جنوب افريقيا والتجربة الالمانية البرلمانية ايام حكومة فايمار عام 1920 ودور الجيش والاضرابات العمالية في اسقاط الحكومة العسكرية الالمانية، كما يعالج الكتاب التجربة النرويجية والتجربة التشيكية ويسهب في شرح التجربة البولندية بقيادة ليش فاليسا وكيف استطاع الشعب البولندي عبر سلاح المقاومة السلمية والاضراب اسقاط اكبر الاحزاب الشيوعية في اوروبا الشرقية. ويفرد الكتاب المزيد من الصفحات لشرح التجربة الصربية وكيفية نجاحها السلمي في اسقاط الطاغية ميلوسيفيتش، ثم يتناول الكتاب تجربة غواتيمالا وكيفية انتصار الشعب الغواتيمالي على الطاغية اوبيكو. ويختتم الكتاب هذه النماذج بشرح النضال اللاعنفي لحركة الحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة الاميركية بقيادة مارتن لوثر كينغ وكيف ان ذلك النضال ادى ليس فقط لانصاف الفقراء والسود وانما ايضا لإنصاف الهنود الحمر الأميركيين والمكسيكيين والفقراء من البيض. ويختتم الكتاب ملاحقة بسرد تجربة الشعب التشيلي وكيفية اسقاطه للدكتاتور بينوشيه من خلال الاستفتاء بكلمة «لا» على مشروع تمديده الاستيلاء اللاشرعي على السلطة، وبالفعل استطاع الشعب التشيلي اسقاط الدكتاتور بصندوق الاقتراع ولم يكن بينهم قائد مميز، او طليعي واحد متفرد، بل كان عددهم سبعة ملايين قائد ومناضل.
ملاحق ومخططات
ومع ان الكتاب يزدحم بالصور والمخططات البيانية التي تزيد في توضيح وشرح محتويات الكتاب الا ان هذه الاشكال والنماذج التوضيحية، ورغم «علميتها السياسية»، لا تقدم اضافة معرفية لنصوص الكتاب الا في مجال الحفظ والتلخيص لدى القارئ الذي يريد ان يجعل من هذا الكتاب منهجا ودليلا للكفاح اللاعنفي. وبالنظر الى التجارب التاريخية سنجد العديد من تجارب الكفاح اللاعنيف فشلت في تحقيق اهدافها، وأخرى نجحت في تحقيق انجازات محدودة، وأخرى حققت انجازات كلية. وحتى يؤتي هذا الكتاب ثماره ينبغي نشر الوعي به، وتجاوز القشور عن فكرة اللاعنف الى صلب الفلسفة للتمييز بين حرب اللاعنف والأساليب النضالية السلمية الاخرى، كذلك ينبغي بذل المزيد من الجهود في محاولة جمع المتناثر عن هذا الموضوع وبلورته في اطار كلي متماسك. لذا تحتاج فلسفة «حرب اللاعنف» الى رعاية فكرية وحركة ترجمة وتأليف لتتحول تماما الى دراسات اكاديمية مثلها مثل العلوم العسكرية، ولكن ينبغي عدم اغفال دور الثقافة الادبية (الابداع الشعري والمسرحي والروائي) وحتى الثقافة التصويرية (معارض تشكيلية وفن سينمائي) في الاسهام في تغذية ثقافة الاحتجاج والمقاومة اللاعنفية ضد النظرة الحيرى بين خيار الاستسلام من جهة والعنف من جهة ثانية وهذا ما يتجاهله هذا الكتاب.
([) «حرب اللاعنف»، تأليف أحمد عبد الحكيم، هشــــام مرسي ووائل عادل، صادر عن الدار العربية للعلوم في بيروت، .2007

رابط الجريدة

 

 

الإعلام المرئي | الإعلام المقروء